
بحلقت أمينة بشاشة موبايلها وخفقت برموشها وكأنها إذا ما أغلقت عينيها وفتحتهما عدة مرات ستختفي ملامح محدثتها لكن وجه المغنية المشهورة بقي على السطح الزجاجي حاملًا تعبير جاد صادق وصوتها المخملي يكرر: “صدقتيني دلوقتي؟!”
هزت أمينة رأسها بإصرار بعدما تذكرت فجأة أن التكنولوجيا التي قد تقدمت لدرجة تسمح لها برؤية وجه محدثتها، تسمح أيضًا بتزوير الصوت والصورة لخلق نسخة مطابقة تمامًا للأصل تهزّ بأغرب الأشياء.
لملمت أمينة شكوكها المتناثرة لتقول بشكل واضح:”أنا مش فاضية للعب العيال ده! ولا أنا مختومة على قفايا عشان أصدق فيديو معمول بالكمبيوتر!”
جلجلت الضحكة النسائية للمغنية في مرح: “برضه مش مصدقاني؟!”
ثم تحول وجهها فجأة للجدية قبل أن تقول: “عمومًا عندك حق! الكلام اللي باقوله ما يتصدقش في مكالمة تليفون. قولي لي وقتك يسمح نتقابل امتى؟”
فكرت أمينة بحسرة في مشاغلها اليومية ما بين الغسيل والكنس والمسح والطبخ والطبطبة والمحايلة والصراخ والصمت… الصمت المستكين… صوت المستسلمين لضجر مصيرهم، لما لا تخاطر باستبدال يومًا في مطاردة كذبة مقابلة مغنية مشهورة؟!
اتفقت بسرعة على يوم وساعة ومكان.
تضاءلت شكوكها في هوية مضيفتها مع كل خطوة تخطوها في غرفة استقبال الضيوف الفسيحة، التي تبدو بالرغم من كل ما تحتويه من قطع أثاث وتحف أكبر من شقتها بأكملها، وبطول حائط جانبي لوحة عملاقة تصور المغنية بشعرها المجعد في هالة داكنة حول وجهها وكتفاها، عيونها الواسعة تحدق بمن يشاهد اللوحة في ثقة وتحدي، وشفاها تفترقا بعض الشيء وكأنها على وشك الهمس بسر حميمي، بينما يلتف جسدها في فراء ناعم لحيوان مفترس.
مع استغراق أمينة بتأمل اللوحة لم تسمع الخطوات الرشيقة المقتربة منها على غير عجلة.
فجأها الصوت المخملي بقوله: “هتصدقيني دلوقتي ولا اروح اجيب البطاقة الأول؟” الدعابة بنبرتها خففت من حدة الصدمة بعض الشيء وكادت أمينة أن تبتسم في ود لولا تذكرها سبب اتصال المغنية المشهورة بها من الأساس، وتمنت أمينة من كل قلبها أن يكون الموقف بأكمله مجرد دعابة سمجة بالتواطؤ مع زوجها في خدمة أحد البرامج التلفزيونية أو قنوات الانترنت اليائسة لجذب المشاهدين، كانت أمينة لتشاهد هذا البرنامج على أية حال لو كان فقط يحدث لغيرها!
شاهد رد فعل ربة البيت الساذجة عندما تخبرها النجمة لي لي بخيانة زوجها لها!
مع ذلك ألم يكرر أدم معرفته السابقة للمغنية المشهورة قبل نجاحها؟! ألم يتباهى في سنوات زواجهما الأولى إنه قد ترك لي لي التي كانت تعشقه بجنون من أجل زوجة أكثر جمالًا وأفضل خلقًا؟! ألم تستمع أمينة في السنوات التالية لمقارناته السخيفة ما بين مظهر لي لي في فيديوهاتها المبهرة وأمينة الجالسة بجواره في بيجاما دافئة؟! هل يوجد مقلب تلفزيوني يتم إعداده على ما يزيد عن العشر سنوات؟!
الآن وهي ترى المغنية المشهورة دون حاجز التلفاز وفي ملابس بيتية مريحة، بشعر مجتمع في ذيل حصان سميك، كانت تتمنى لو تستطع الكذب على نفسها إنها أكثر جمالًا من لي لي أو على الأقل مساوية لها، لكنها كذبة صعبة التصديق.
أمينة بشرتها فاتحة على النقيض التام من سمرة لي لي، وبينما خطت السنوات بآثرها حول عينا وشفاه أمينة، بدت لي لي وكأنها تسمو عن الزمن ببشرة نضرة.
لي لي قصيرة بعضلات مشدودة ورشاقة راقصة، وأمينة طويلة مع الكثير من الدهون المتراكمة على خصرها وثقيلة بإرهاق دائم بلا سبب واضح.
عينا أمينة بزرقة السماء وحمرة السهر الطويل في مطاردة أفكار مظلمة، ولي لي في عيناها دكنة الأرض وبهجة العيش في حياة من صنيعة موهبتها وعزمها.
رسمت أمينة ابتسامة مهذبة على شفاها قبل أن تجيب بصوت بدا ضئيلًا في الغرفة الواسعة: “لاء خلاص… أنا مصدقة إني باكلم حضرتك لكن…” تقلص وجه أمينة في ألم عندما أكملت: “لكن أنا لسه مش مصدقة اللي قولتيه عن أدم.”
جلست لي لي بإزائها على كرسي وثير ذي ذراعين عاليَيْنِ.
واصلت أمينة: “أدم…” ثم قاطعها حضور خادمة تدفع أمامها طاولة خشبية تسير على عجل وتحمل فوقها عدة أباريق زجاجية بسوائل ملونة وأكواب فارغة، وبإشارة صغيرة من يد لي لي تركت الخادمة الطاولة بالقرب منهما وغادرت على الفور.
اعتذرت لي لي على المقاطعة وسألت في كرم إذا كانت أمينة ترغب في مشروب ما وعددت الاختيارات المتاحة باحترافية نادلة بمطعم راقي.
رفضت أمينة في البداية بأدب جم ليس فقط بدافع العادة أو الحرج وإنما أيضًا لإنقباض معدتها المفاجيء مع ادراكها لحقيقة رفضت لسنوات تسميتها بكلمات واضحة، وكأن صياغتها بمعنى محدد سيخلق وحشًا من العدم تعجز أمينة عن مواجهته.
أمام إلحاح مضيفتها تناولت أمينة في النهاية كوبًا من الشاي بالليمون محلى بالعسل واحتست منه رشفة في بطء وهي تفكر إنها لا تستطيع إعلان حب أدم لها، لسانها وعقلها يرفضا بشكل كلي تبني هذا الوهم الذي قد تشبثت به في إصرار طفولي قد أدمى قلبها في أولى سنوات زواجهما، لذا بعد ابتلاعها لرشفة من المشروب الدافيء والاستمتاع بالتناقض الحاد ما بين مرارة الليمون وحلاوة العسل أعادت صياغة تصريحها: “أنا وأدم متجوزين بقالنا فوق العشر سنين، وقبلها خطوبة سنتين، يعني عشرة عمر. ما أظنش إنه هيرمي كل ده ورا ضهره ولا حتى عشان واحدة بجمال حضرتك!”
سندت لي لي مشروبها ما بين راحتى يدها وأنتظرت لحظة قبل أن تقول: “الجمال مالوش علاقة بالموضوع! أنتِ طبعًا تعرفي أدم أحسن مني بكتير، أنا ما عنديش شك في كده!” صمتت برهة لتسمح لأمينة بإدراك محاولتها بتخفيف حدة ما ستقول: “لكن… آدم اللي أنا اعرفه… طماع وجشع وفاكر إنه محور الكون ويستاهل كل حاجة هو نفسه فيها، وإصراره إنه يتواصل معايا والطريقة اللي كلمني بيها أكدت لي إنه ما اتغيرش كتير… للآسف!”
أثقلت الصدمة من لسان أمينة وأبطأت من قدرة ذهنها على الاستيعاب، ثم انتابتها رغبة غريزية بإلقاء المشروب الدافي في وجه مضيفتها والصراخ بوجهها إنها لا تعرف أدم على الإطلاق لكن سراعًا ما عاد عقلها إلى كرسي القيادة مذكرًا إياها إنها بالرغم من سنوات “العشرة” الطويلة قد فشلت في تفسير العديد من تصرفاته وتصريحاته المتناقضة، لذا بدلًا من الصراخ كحيوان ذبيح سألت في هدوء: “هو قال لحضرتك ايه بالضبط؟”
ضحكت لي لي بإحراج وعصبية: “الأول سألني إذا كنت نسيته ولما قلت له إني فاكراه، سألني إذا كنت مرتبطة وكأننا أعز الاصحاب وهو من حقه يسألني سؤال زي ده! طبعًا رديت عليه إن دي حاجة ما تخصوش وإني حابه اعرف هو طلب يتكلم معايا ليه بالضبط، وساعتها اداني خطبة طويلة عريضة من عينة عمري ما نسيتك وندمان أشد الندم إني سبتك تفلتي مني والكلام الحمضان ده!”
“المسئولة عن حسابي الإلكتروني كانت قالت لي قبل ما توصله بيا إنه متجوز وعنده أولاد، فأنا بصراحة اتصدمت. أنا كنت عاملة حسابي إنه يطلب مني تذاكر حفلة أو توقيع على صورة، أو حتى يستلف مني فلوس. دي كلها حاجات بتحصل عادي، لكن اللي مش عادي إنه يفتح لي وصلة حب ولما افكره إنه عيب عليه اللي بيعمله، وإن مراته هتقول عليه ايه لو عرفت، إنه يدعي إنك عارفه وموافقة!”
“بصراحة عشان كده قررت اتواصل معاكي مباشرة، عشان اعرف إذا كنتِ فعلًا عارفه؟ إذا كنتِ فعلًا موافقه على اللي بيعمله ده؟!”
صمتت لي لي في إنتظار رد أمينة الذي لم يظهر سوى برعشة خفيفة بيدها أجبرتها على إعادة مشروبها الدافيء إلى الطاولة.
لم تتعمد أمينة أن يرتطم الكوب بحدة بسطح الطاولة ليحدث صوت قرقعة عالية، لكن قبل أن تعتذر أمينة عن سوء تقديرها للمسافة ما بين الكوب الزجاجي والسطح الصلب قاطعها صوت لي لي بقولها: “أنا آسفة جدًا والله! طبعًا ما كانش عندك علم باللي بيعمله! أنا شايفة الصدمة على وشك. أنا آسفة جدًا… جدًا.. وأتمنى تسامحيني، لكن أنا لو مكانك كنت هابقى عايزه اعرف الحقيقة حتى لو كانت مؤلمة.”
أومأت أمينة موافقة ثم امسكت بحقيبة يدها وهي تقول: “ايوه.. طبعًا… شكرًا إنك قولتي لي! أنا طولت عليكي… أكيد عندك مشغوليات كتير… مش عايزه اعطلك!”
استوقفتها راحة لي لي على ذراعها وهي تقول بحنان: “استنى شوية.. أنا مش عايزاكي تمشي وأنتِ في الحالة دي.. لو عايزة تقعدي شوية على انفراد أنا هاسيبك.”
اندفعت دموع حارة بركن عيناي أمينة وحاولت عبثًا دفعهم للعودة إلى مقلتاها بلا نجاح، ومع انزلاقهم الحتمي على وجنتاها ألتفت ذراعا لي لي النحيلتان حولها وربتت برتم هاديء على ظهرها.
انفجر سيل حزن أمينة وحسرتها بنحيب وعويل كطفلة تائهة وانعصر قلبها بضياع سنوات شبابها في خدمة أحلام رجل لا يعرف الشبع.
بقيت أمينة بمكانها لبضعة دقائق وعندما تحول بكاءها لشهقات غريق ضغطت لي لي برفق براحتيها على جانبي وجه أمينة وأمرتها أن تفتح عيناها وتنظر إليها، بالرغم من بساطة الأمر وجدت أمينة صعوبة بالغة في تنفيذه لكن مع نجاحها وجدت ابتسامة ودودة على وجه لي لي وصوتها الدافيء يؤكد لها: “أنتِ مش لوحدك! أنا معاكي… ومش هاخلي أدم يكسرك! خدي وقتك وشوفي عايزه تعملى ايه وأنا معاكي.”
تحسست أمينة طرف خيط الأمان الذي قد قدمته لها لي لي بكرم وتشبثت به بكلتا يداها وما أن استعادت هدوءها اندفعت للسؤال: “لما هو بيحبك اوي كده، هو سابك ليه؟! ليه ما اتجوزكيش أنتِ؟!”
جلجلت ضحكة لي لي بشكل مفاجيء ثم غطت فمها بكلا راحتيها في إحراج واضح قبل أن تضيف: “هو قالك إن هو اللي سابني؟!” صمتت للحظة مفكرة قبل أن تواصل: “ولا ممكن فعلًا تتفسر بالشكل ده! هو خيرني ما بين أكون زوجته أو أكون نفسي، وأنا اخترت نفسي! يبقى مين اللي ساب مين؟”
أومأت أمينة متفهمة وعادت إلى الجلوس واحتساء الشاي بالليمون والعسل الذي كان أقل دفئًا الآن لكنها شعرت إنها بحاجة إليه على أية حال.




اترك تعليقاً