صورة بطلة مسرحية نوراكور مع نص: "تفسير جديد لمسرحية بيت الدمية"

“اللي ينسى الماضي، هيكرره!” تحذير في محله ولو حد بيدور على الحكمة والحقيقة هيخرج من وقت للتاني من سيل الأخبار الحالية عشان يشوف حكماء الماضي قالوا ايه ويستفاد منهم، والأهم من كده، إنك تروح خطوة أبعد وتنقل حكمتك بشكل شيق للجيل اللي بعدك وده اللي بتحققه المخرجة الشابة بايلي هابس في مسرحيتها “نوراكور” وإعادة تفسيرها لمسرحية “بيت الدمية” لهنريك إبسن.

بيت الدمية زمان:

مسرحية هنريك إبسن بتحكي عن نورا، زوجة بتحب زوجها هيلمر وبتحاول دايمًا ترضيه، لكن هو شايفها امتداد ليه مش شخص مستقل. عشان تنقذه من موت مؤكد بسبب مرض مفاجيء، زورت توقيع أبوها واخدت قرض في السر، بالرغم إنها بتحوش من مصروف البيت وبتسدد القرض بالكامل لكن سرها برضه بينكشف ولما ده بيحصل هيلمر بيخاف على سمعته اكتر منها. الصدمة دي بتفتح عنها على حقيقة علاقتهم، بتشوف قد ايه هو مش مقدر تضحيتها، وازاي إنها عايشه حياتها كأنها بتلعب دور ثانوي مالهاش إن يبقى ليها رأى أو تاخد قرار، ساعتها بتاخد قرار جريء -أو بحسب تاريخ عرض المسرحية سنة ١٨٧٩م قرار صادم- إنها تسيب البيت، لأنها عايزه تكتشف نفسها لأول مرة بعيد عن دور “العروسة/الدمية” اللي اتفرض عليها.

المسرحية بتناقش حقوق المرأة ودورها في المجتمع، وازاي إن القواعد المجتمعية والأقتصادية اللي كانت موجودة في الدنمارك وقتها بتتعامل معاها باعتبارها كائن قاصر وثانوي مش من حقها في الحقيقة تفكر لنفسها أو تختار مصيرها، ودايمًا تحت رحمة حد تاني سواء أبوها، جوزها أو موظف البنك “كروغستاد” اللي ساعدها تاخد القرض.

المسرحية كمان بتلقي الدور عن حقيقة العلاقة ما بين نورا والرجالة اللي في حياتها، المفروض إن دورهم يحموها زي أبوها وجوزها، لكن بيسيبوها من غير دعم مادي في وقت هي في أمس الحاجة ليه، بحجة إنها واحدة ست مالهاش تتعامل مع الفلوس، وده في النهاية مش بيعرضها هي بس للمشاكل، ده بيهدد حياة جوزها اللي كان محتاج يسافر ضروري لكن لأنها ممنوعة من إدارة دخلهم أو ورثها من أبوها ما تقدرش تنقذ جوزها وأبو اطفالها غير لو تكسر القانون المجحف اللي ضدها. جوزها اللي بيدعي إنه بيحبها و”مدلعها” بيتخلى عنها تمامًا لما يعرف إنها كسرت القانون وهددت سمعته، حتى وهو عارف إنها عملت كده عشانه، ومش بيتراجع غير لما الخطر اللي بيهدد سمعته بيختفي، وده بيوضح بشكل غير قابل للشك إنه مش بيحبها هو بس مستمتع بوجودها، لكن ما عندوش إستعداد يضحي بنفسه عشانها زي ما هي عملت عشانه.

بيت الدمية دلوقتي:

مسرحية “نوراكور” بتقدم رؤية جديدة لقصة “بيت الدمية”، وبتوضح إن حتى لو الست بقت مستقلة ماليًا، لكنها لسه محاصرة بنظام اقتصادي وثقافة بيحرموها من حرية الاختيار وبيحرضوا على استغلالها.

البطلة، سابينا، مهندسة رومانية بتسافر لألمانيا عشان تدور على شغل، وهناك بتحب أدم، الممثل الطموح اللي بيطلب منها تصرف عليه من منحتها الدراسية لمدة ٤ شهور لحد ما يحقق حلمه. رغم ترددها، بتوافق عشان متخسروش. صديقتها ستيفاني بتقترح عليها تشتغل “كام جيرل” بدل ما تشتغل في كافيه شوب أو مطعم بمرتب ما يعيش، وفعلاً بتعمل كده، لكن الأمور بتتطور بشكل مأساوي لما بتتعرض للاغتصاب من صديق أدم، وبتسكت خوفًا من الفضيحة.

بعد ما بتوصل متأخرة للعرض الأول لمسرحية أدم، بيتهمها بالغيرة ومحاولة تخريب فرصته. لما بتحكي له عن اللي حصل، بيسامحها بسهولة، متجاهلًا دوره في الموقف. هنا بتدرك سابينا إنه مش بيحبها، لكنه بيحب وجودها في حياته، فبتقرر تسيبه وتطرده من شقتها.

في النهاية، ستيفاني بتضطر تشتغل باريستا بعد ما ابوها بيقطع عنها المصروف، وبتسكن مع سابينا. المفاجأة إنهم يكتشفوا إن أدم كان مخبي جواب قبول من مكتب هندسي لسابينا، وده معناه إنه ضحى بحلمها عشان حلمه.

مين الجاني ومين المجني عليه؟

المخرجة بتعكس بشكل واضح في حركة الشخصيات أن سابينا مش بتلعب الدور الرئيسي في حياتها، هي في الغالب بتقف في واحدة من جوانب خشبة المسرح وساعات حتى في الخلفية، مش بتطلع للمقدمة غير لما حد يجبرها على الحركة دي، زي أدم لما بيحاول يجبرها تغير من طريقة تفكيرها وتكون “مؤمنة” إنها هتلاقي فرصة شغل كويسة، أو ستيفاني وهي بتحاول تقنعها إنها جميلة وممكن تستغل جسدها لتحقيق مكسب سريع.

اوليفر:

طبعًا على أول قائمة الجناة هو اوليفر اللي اغتصب سابينا بعنف عشان هو مقتنع إنه اشتراها لما هي وافقت تبيع صورها، وإن مش من حقها ترفضه وهو “راجل اكتر” بكتير من أدم اللي بيخليها تصرف عليه ومش عارف حتى هي بتجيب الفلوس دي ازاي.

اوليفر وراه فلسفة بأكملها مبنية على أفكار سامة من عينة: العلاقة ما بين الراجل والست علاقة صراع وهيمنة مش شراكة، ولازم يكون الراجل هو المهيمن والست تخضع، لتحقيق السلطة دي لازم الراجل يكون هو صاحب الدخل الرئيسي (ويفضل يكون الدخل الوحيد) وإنه يحاول يحقق ثراء سريع بأى طريقة ممكنة.

اوليفر الأمريكي المؤمن بالرأسمالية كأسمى نظام، مش بيدرك إن “فلسفته” دي مش مناسبة لأى إنسان ينتمي للطبقة العاملة، لأن دخل واحد صعب اوى يوفر حياة كريمة، خصوصًا لأصحاب “الطبقة المتوسطة” اللي على قدر من التعليم ومتعودين على مستوى معين من الرفاهية. زي أى نبي لدين كاذب اوليفر بيروج لأفكاره على إنها الحقيقة المطلقة والطريقة الوحيدة “الصحيحة” للحياة.

ستيفاني:

هي الوجه التاني لثقافة اوليفر واللي بتروج افكار لا تقل خطورة من عينة: أهم شيء في الدنيا هو تحقيق الثراء السريع، والعملة الوحيدة في ايد النساء لتحقيق اى نجاح اقتصادي قائمة على جمالهم وجاذبيتهم الجنسية، وأن اضمن طريقة لتسلق السلم الاجتماعي .هو عن طريق التلاعب براجل من طبقة أعلى والارتباط بيه أو .استغلاله

ستيفاني ما بتحبش حد غير نفسها وحتى غير قادرة على التعاطف مع أى شخص تاني، وده بيبان إنها في محاولتها إظهار تعاطفها مع سابينا بتكرر عبارات من غير ما تفهمها زي: “احنا بنسمع الناس من غير ما نحكم عليهم.” دايمًا بتحول الحوار إنه يدور عنها وعن اهتمامتها ومخاوفها وطموحتها، ومش بتحترم حدود أى شخص لدرجة إنها بتكسر باب سابينا عشان تدخل تتكلم معاها من غير ما تستأذن.

لأن في “فلسفتها” أهم شيء هو المكسب المادي حتى على حساب الصحة النفسية والأخلاق مش بتتردد إنها تشجع سابينا تبيع نفسها للي يدفع اكتر، مع إن ده بيحط سابينا في مرمى شخصيات مضطربة وخطيرة زي اوليفر، وبيبان نفاق ستيفاني إنها نفسها لما بتتزنق في الفلوس بتختار تشتغل في كوفي شوب.

أدم:

بيبتدي كشخص طموح لكن غلبان، بيسمح لمخرج المسرحية يستغل مجهوده لشهور عشان فرصة واحدة إنه يحقق حلمه، لكن مع الوقت تعاطفنا معاه بيفضل يقل ويقل.

صحيح هو مش مؤذي بشكل صريح زي أوليفر، لكن بالرغم من معرفته بخطورة أوليفر بيأمن له إنه يدخله في حياة سابينا، وحتى يوصلها البيت لوحدها.

والنهاية بتكشف بشكل واضح إن أدم مش مذنب بس عن طريق الجهل، لكن كمان عن طريق العمد بإخفاءه فرصة العمر عن سابينا عشان ما يخسرش هو فرصته.

سابينا:

بتتقدم على إنها المجني عليه والضحية حتى من قبل ما تقابل أوليفر. ما بين ضغوط والدتها وستيفاني وإستغلال أدم ليها بتبان كأنها ريشة في مهب الريح، كلمة توديها وكلمة تجيبها، وده بيطرح السؤال: هي اختارت مصيرها ولا هي ضحية مجتمعها؟

حياتك مقابل نجاحك؟

حياتنا عبارة عن زمن محدود على الأرض، يطول أو يقصر لكن بيفضل دايمًا محدود، ووعد النظام الرأسمالي إنك ممكن تبدل جزء من حياتك، جزء من وقتك ومجهودك وقدراتك في سبيل تحقيق النجاح المادي، لكن في مسرحية “نوراكور” بنشوف كذبة الوعد، فإن حتى سابينا لما تمشي بنصيحة ستيفاني لتحقيق نجاح سريع، اللي بيحصل في الحقيقة إنها بتعرض نفسها لأذى أخلاقي ونفسي، وفي النهاية برضه مش بتوصل لحلمها.

الوحيدين اللي بيبانوا مستفادين من النظام هما ستيفاني واوليفر، وده بس عشان هما ما عندهمش أى مانع يستغلوا كل اللي حواليهم بلا تعاطف أو شفقة، ومع ذلك النجاح مش مضمون، لأن في حالة ستيفاني اللي مش بتملك مصدر الثروة ممكن تصحى في يوم تلاقي النظام اللي كانت مؤمنة بيه ومعتمدة عليه بيطردها من طبقتها المريحة لطبقة أقل منها برضه بلا تعاطف أو شفقة.

Author

اترك تعليقاً

Trending