،التحرش بالأطفال موضوع شائك جدًا على خطورته، مع ذلك الحل مش ممكن يكون بالسكوت والتعتيم عليه اللي في النهاية بيخدم المعتدين مش بس بحمايتهم بحجة الخوف من “الفضيحة” لكن كمان بجهل الضحايا الجدد بالخطر المحيط بيهم، وهنا يجي دور المسلسل الجميل والذكي والمؤثر “لام شمسية” اللي بيضيء نور يحمي أطفالنا ويفند تصورات مغلوطة عن التحرش وطريقة التعافي منه.

وحش بيجي في قلب الليل:

واحدة من أهم واخطر التصورات دي هو أن المتحرش ده في الغالب شخص غريب بيهاجم الطفل بشكل مفاجيء وبدون مقدمات على غرار قصص الأطفال اللي فيها الذئب الشرير بينقض على الطفل البريء في الغابة الضلمة، ومع سوء الفهم ده بتيجي افتراضات من عينة إن طالما ابني أو بنتي ما بيقابلوش أغراب غير في حضوري يبقوا في أمان، ده غير إن المتحرش ده اكيد هيبان على وشه شره، في حد برضه ما يعرفش شكل الذئب؟!

في الواقع -وللآسف- بدعم الإحصائيات المعتدي بيكون في الغالب شخص قريب، وأحيانًا قريب من الدرجة الأولى زي الجد أو العم أو الخال… إلخ، أو بيكون الانتهاك بسماح من القريب، وده معناه إن الخطر بيكون أقرب مما نتصور وبيتصاعد بشكل تدريجي خبيث.

لقطة من مسلسل “لام شمسية” فيها الممثل محمد شاهين في دور وسام

دور وسام (محمد شاهين) بيعكس التعقيدات دي ببراعة، هو دكتور جامعي ناجح، صديق العمر للأب طارق (أحمد صلاح السعدني)، زوج لأمرأة جميلة (يسرا اللوزي)، أب لابنة مراهقة (ياسمينا العبد)، ومن عيلة محترمة، والدته (صفاء الطوخي) تعمل كمديرة مدرسة، وبالتالي بيبقى متوقع ومعقول جدًا إن لما تيجي مرات الأب نيللي (أمينة خليل) تتهمه بالتحرش بابن جوزها يوسف (على البيلي) إن كل اللي حواليها يرفض يصدقها بما في ذلك جوزها، خاصة وإنها ما شافتش فعل فاضح وإن كانت شافت -بشكل غير مباشر- تصرف يثير الشكوك إلى حد كبير.

شخصية وسام تستحق نقف عندها وندرسها، زي المسلسل بيذكر دافعه مش بالضرورة بيدوفيليا ممكن يكون إدمان للجنس وميل ناحية المخاطرة، بالإضافة لإنه مش مدفوع بالغريزة المنحرفة وحدها لأن تصرفاته بتحمل قدر كبير من الذكاء والتخطيط وحتى الصبر، ف زي ما بنشوف هو مش بينتقل للتحرش بالطفل مع أول فرصة ينفرد بيه فيها، لكن بيستنى لما يهيأه ويستدرجه ويتأكد من عدم تواصله بشكل فعال مع عيلته وبيتلاعب بجهله عن حدود جسده وحاجته لإنه يكون محبوب من شخص بيعتبره بمثابة عمه، وبعد ده كله بيتحين الفرص المناسبة لإستغلال الطفل والتحرش بيه.

محمد شاهين بيقوم بإنجاز مبهر في تجسيد الدور الصعب ده، بالنسبة له كممثل هو بيقدم دور جوه دور، هو الراجل المهذب اللطيف المتفهم لظروف الناس وعلى استعداد لخدمتهم وكتم سرهم، هو الزوج الحنين اللي بيغسل لزوجته المكتئبة شعرها عشان يكون شكلها مقبول قدام بنتها، هو الأب المضحي اللي بيحاول يكون دايمًا متوفر لبنته، هو الابن البار بوالدته اللي بيحاول دايمًا يرضيها، وفي نفس الوقت هو المتحرش بالأطفال والمسيطر على/ المعنف لزوجته لدرجة إنها بتترعب تتكلم مع الدكتور النفسي بدون حضوره، وبالنسبة لبنته فهي كارت بيسمحله يختلط بالبنات المراهقات زميلاتها وتصويرهم دون علمهم، وحتى بيدس كاميرا مراقبة في اوضتها، وبيحمل غضب خفي تجاه والدته اللي اتخلت عنه في طفولته مع في مقابل تحقيق نجاحها المهني. شخصية وسام ليها وشين كل واحد منهم عكس التاني ومحمد شاهين بعبقرية شديدة بيقدر يمثلهم هما الاتنين بصدق.

ابني بيحكي لي كل حاجة:

التصور التاني اللي الأهالي في أوقات كتير بحبوا يعتمدوا عليه هو أن طفلي طول النهار ما بيبطلش رغي ولو عايز حاجة ما بيبطلش زن ولو ركبته اتخدشت بيملى الدنيا صويت وعياط فأكيد لو حد بس فكر يتحرش بيه هيجي يقولي، والمسلسل بيرجع بذكاء يرد على الفكرة دي ببساطة شديدة إن لو ما شرحتش للطفل حدود جسمه ممكن اوى ما يدركش إن التلامس اللي اتعرض له يعتبر اعتداء، خصوصًا لما يكون المعتدي الخبيث بيحاول يكسب “رضا” الطفل سواء بتفهيمه إن دي مجرد لعبة أو إنه هياخد مكافأة مميزة في النهاية.

لقطة من مسلسل “لام شمسية” فيها الممثل الطفل علي البيلي في دور يوسف

اكثر مشهد بيوصل النقطة دي ببراعة هو أول استجواب بيتعرض له الطفل يوسف لما وكيل النيابة بيسأله: “إذا كان في حد ضايقه؟” والطفل ما بيجاوبش على السؤال لأن بالنسبة له ما كانش فيه “مضايقة” بالعكس اونكل وسام “بيحبه” والمشهد اللي بيرجع يأكد قصور إدراك الطفل عن طبيعة الاعتداء لما بيلعب نفس “اللعبة” مع اخوه الصغير اللي بيحبه ياسين.

المسلسل بيكرر إن حبنا لأطفالنا مش ضمان كافي لحمايتهم، لأن ما فيش شك أن طارق وهبة ونيللي بيحبوا يوسف، لكن كانوا محتاجين كمان يخلقوا مساحة مناسبة ليوسف يشاركهم أفكاره ومشاعره ويثق إن اللي هيقوله هيتقبل بدون لوم أو عتاب، ودي الحقيقة اللي بيدركها طارق متأخر إنه بالرغم من حبه لابنه إلا إنه ما بين مشاكله الزوجية وضغوط الشغل ما كانش مدي يوسف الأولوية اللي يستحقها.

لقطة من مسلسل “لام شمسية” للممثل أحمد صلاح السعدني في دور طارق

مافيش حاجة بتستخبى:

حقيقة قابلة للجدال لأن -زي المسلسل ما وضح- لو ما كانتش الصدفة لعبت دورها ونيللي كانت شافت لحظة ما كانش المفروض تشوفها ما بين وسام ويوسف كان ممكن الحقيقة تفضل مستخبية لسنين وسنين، زي ما حصل مع شخصية سمية (فاتن سعيد) مثلًا اللي اتعرضت لإستغلال جنسي لكن بسبب قلة معرفتها كانت فاكرة إن اللي مرت بيه هو قصة حب فاشلة وإن الجروح النفسية اللي هي بتعاني منها دي غلطتها عشان على حد قولها هي “معقدة”.

المسلسل كمان بيعرض -ولو بشكل مقتضب- صعوبة الإثبات بالدليل قدام القانون طبيعة الاعتداء، اللي في الغالب بيتم في السر وفي غياب شهود، في النهاية ما بيكونش فيه غير شهادة الطفل اللي اعتدى عليه قدام المعتدي المتهم، وبالرغم من تقديم المسلسل لنهاية مرضية للمشاهد بعقاب وسام والحكم عليه، المسلسل ما بينساش يذكر ويؤكد إن مافيش قرائن كافية تثبت في الحقيقة بشكل لا يدع مجال للشك إن وسام فعلًا اعتدى على يوسف، لأن كل الإثبات في حالات زي دي بتكون شهادة الطفل أو لحظة مريبة مخطوفة من ورا ازاز أو تغير مفاجيء في شخصية الطفل.

لقطة من مسلسل “لام شمسية” للممثلة أمينة خليل في دور نيللي

السهل الممتنع:

المسلسل نجح يصور للمشاهد حاجة ما تتصورش بمشاركة أطفال ابرياء دون خدش براءتهم وده إنجاز في حد ذاته يستحق الإشادة، فبنشوف مشاهد الاعتداء بنظرات وتعبيرات وش نيللي أو نسمع عنه على لسان طارق أو ندرك مدى تأثيره على رد فعل المعالج النفسي د.رامي (علي القاسم).

سر النجاح ده يعود فيه الفضل لمريم نعوم المؤلفة والسيناريست راجية حسن، المخرج كريم الشناوي، موسيقى مهاب سامي، وطبعًا اداء الممثلين المتمكنين من أدواتهم أمينة خليل وأحمد صلاح السعدني والطفل الموهوب علي البيلي، ومع ذكر الأداء التمثيلي البارع لازم أشير كمان لأداء يسرا اللوزي اللي كان مطلوب منها تقول بصمتها أكتر بكتير من اللي شخصيتها مسموح ليها تقوله.

لقطة من مسلسل “لام شمسية” للممثلة يسرا اللوزي في دور رباب

في النهاية:

المسلسل مش بس من أجمل مسلسلات رمضان لسنة ٢٠٢٥م ده كمان من أجمل المسلسلات في تاريخ الدراما المصرية، يستحق بكل تأكيد المشاهدة مع مراعاة لطبيعة مضمونه الشائكة هو غير مناسب للمشاهدين الصغار في السن أو الغير قادرين على التعامل مع حبكة موضوعها تقيل ومظلم زي التحرش بالأطفال.

“لام شمسية ولام قمرية

واحدة نقولها والتانية خفية

القمرية زي ما هي.. زي الباب والعين والقلب

والشمسية متخبية.. زي السر وزي الذنب

والقمرية لام منطوقة.. موجودة في كل الأحوال

والشمسية لام مسروقة.. مش كل المكتوب يتقال”

النشيد في مسلسل “لام شمسية”

Author

اترك رد

Trending

اكتشاف المزيد من عن الفن

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading