

الحياة رحلة طويلة وشاقة، يومًا مشرق مبهج جميل ويوما أخر سوداوي قاسي لا يرحم نحيب أحبائه، الحياة تشبه أيضًا موج البحر تارة عالى مرتفع ثائر صاخب وتارة ناعم هادئ يحلو لك الوقوف أمامه، هكذا كانت حياة الفنان المبدع نجيب الريحاني الذى عند قراءتي لمذكراته الشخصية لم أتخيل أن هذا الوجه البشوش الفكاهي الذى يغلب عليه أحيانًا مسحة من الحزن قد عانى كثيرًا فى حياته حتى أنه كان يلجأ إلى الشارع وأحجاره ليتخذ منهم فراش ووسادة حتى يعبر به الليل وأذا به يعود إلى قهوته المفضلة ليتخذها ملجأ له فى النهار وقبل إن إسرد تلك التفاصيل أتتطرق إلى حياته الأولى منذ أن كان طفلا صغيرًا.
ولد نجيب الريحاني فى القاهرة عام ١٨٨٩ م لأم مصرية وأب عراقى واثنين من الأخوات. تلقى تعليمًا جيدًا فى مدرسة الفرير بالخرنفش حتى أنه كان يجيد اللغة الفرنسية إجادة تامة وكان يميل ميلًا شديدًا إلى دراسة أداب اللغة العربية ومن خلال ذلك تكشفت لنفسه وبتشجيع شديد من معلمه الخاص الشيخ بحر أنه موهوب للغاية فكتب فى مذكراته يقول: ” كان الشيخ بحر يسر كثيرا حين كنت ألقي بعض المحفوظات بصوت جهوري ونبرات تمثيلية وإشارات تفسيرية، وما إلى ذلك مما كان يعتبره الشيخ بحر نبوغًا وعبقرية.”
“اعتبره الشيخ بحر عبقري”
وهكذا تولدت عنده هواية التمثيل، كما انه كان دائما يقوم بتمثيل بعض الروايات هو وزملائه فى المدرسة وبعد أن أنهى نجيب الريحاني فترة تعليمه المدرسي التحق بوظيفة فى البنك الزراعي ولكن لحبه الشديد للتمثيل تم فصله من هذه الوظيفة ثم تم تعينه مرة اخرى كموظف فى مصنع للسكر بنجع حمادي ولكنه أيضًا لم يستطيع الاستقرار فيه ومن ثم سئمت والدته من عدم استقراره فطردته هى الأخرى من البيت فيقول أيضًا: “ظللت على هذا المنوال لمدة ٤٨ ساعة لم أجد طعاما ولا مأوى غير قهوة الفن فى النهار وكوبري قصر النيل فى الليل.” وكانت فترات عدم الاستقرار هذه يتخللها التحاقه ببعض الفرق المسرحية انذاك والتى ابدى فيها تفوقا مهولا واستحسانًا غير عاديا من الجماهير ولكنه قوبل بالأحقاد من أعضاء الفرقة ومن ثم رفده.
“طردته والدته من البيت”
التحق بعد ذلك بالعديد من الفرق المتجولة والتى كانت تسافر لتقديم عروضها وكان فى قراره نفسه انه لا يصلح سوى للعب لون واحد من الأدوار وهو الدراما حتى عرض عليه ان يلعب دور كوميدى فخاف بشدة فى ذلك اليوم وكان يتمنى لو استطاع الهرب لكنه جمع شتات نفسه وظل يحاول أمام المرآة ثم ظهر على المسرح مؤديا الدور ببراعة حتى جذب انتباه الجماهير اليه وابدى نجاحًا كبيرًا وكان ذروة نجاحه عندما ابتدع فى خياله وهو نائم شخصية “كشكش به” الذى أصبح منقذًا له من بعد ضيق الحال وعوضه كثيرًا عن أيام الذل والفقر الذى عانى منها.

“كشكش به ده يبقا ابني!”
نجح “كشكش به” حتى أن مصر كلها كانت لا تتحدث سوى عن هذه الشخصية ومن هنا فتحت له ابواب المجد والغنى وبعد أن كانت والدته دائما تلعن وتشتم هذه المهنة وبعد أن كانت حانقة وغاضبة عليه زارته فى المسرح وذلك بعد ان حدث موقف غير تفكيرها ففى يوم كانت فى عربة الترام وسمعت بعض من الشباب يتحدثون بإعجاب شديد عن “كشكش به” وما فعله على المسرح وما هى إلا أنها صاحت واقفة امامهم تقول: “كشكش به ده يبقا ابنى!”.
“اطلق عليه النار أثناء تمثيله”
كانت رحلة نجيب الريحاني رحلة كبيرة وشاقة وطويلة فى المسرح، بها الكثير من الفقر والفشل والأحقاد والكثير من النجاح والغنى والأمجاد فقد تعرض للموت مرات عديدة ومنها من اطلق نار عليه اثناء تمثيله ولكنه هرب سريعا محاولا النجو بحياته.
هذه نبذه بسيطة عن حياته الفنية والعملية والتى كانت المادة الأساسية فى كتابة مذكراته ولم يتطرق إلى حياته الشخصية إلا بالقليل ولكن نجيب الريحاني تزوج من سيدتين الأول فرنسية لوسي دي فرناي وقد لمح إليها فى كتابه انها كانت السند المعين والتى بعد ان افترقا شعر أن الدنيا أظلمت فى عينيه وحلت به الكثير من المصائب والكوارث وكانت حبه الحقيقى حتى بعد فراقهم بسنوات ذهب يبحث عنها فى فرنسا وعن طريق المصادفة وجدها وحينها صمم على الزواج منها إذ لم يتزوجا رسميا بعد، إلا أنه في هذه الأثناء كان متزوج من الفنانة بديعة مصابني ولأن فرنسا لا يوجد بها زواج كنسي آنذاك فكان زواجه من بديعة مصابني لا يعتد به، فعلى الفور تزوج من لوسى دى فرناى زواجًا مدنيًا وانجب منها ابنة اصبحت بهجة حياته والتى ذكرت فى أحدى حواراتها أن والدها كان يتمنى فى كل هذه الرحلة الشاقة أن يحبه إنسانًا واحدًا بصدق ليس لأنه الفنان نجيب الريحاني بل لأنه كان شخص حنون وطيب للغاية، أما عن وفاته فقد توفى بسبب مرض التيفويد تاركًا ورائه حياة غنية على المستوى الشخصى والمستوى الفني فينال عن جدارة لقب زعيم المسرح الفكاهي.




اترك تعليقاً