
كبرت في القاهرة في أوائل التسعينيات كابنة مخلصة للطبقة الوسطى واكتشفت اني لسبب غير معلوم باعتبر إن فن الأوبرا حصري للناس الأوروبين والأمريكان المتريشين… أو اللي بيتمسحوا في ترابهم.
نقطة التحول حصلت لما سافرت برلين واتوفرت لي فرصة حضور عرض اوبرالي بسعر مقبول، أغلى شوية من السينما لكن برضه ارخص مما تصورت، ولما شاركت مخاوفي إني اتمنع من الدخول عشان ما عنديش فستان سواريه اتقالي المسارح في برلين -بما في ذلك الأوبرا- مش محتاجة لبس محدد عشان تدخلي، ممكن حتى تروحي بتيشيرت وجينز!
طالما سعر التذكرة مقبول وشروط الدخول زيها زي السينما تقريبًا يبقى الاعتراض الوحيد هيبقى إني مش باحب العروض الأوبرالية، بس ازاي قررت إني مش باحبها وأنا عمري ما سمعتها؟!
اللي سمعته عن الأوبرا
في الأفلام العربي
الشخصيات اللي بتسمع النوع ده من الموسيقى يا أما من الطبقة العليا أو من الطبقة الوسطى المثقفين والمحبين للفن الغربي وفي كلا الحالتين بيكون دورهم يا أما يبصوا بإستعلاء وحسرة للطبقة الكادحة وفنهم “الرديء” أو يوعظوهم بالتخلي عن فنهم الشعبي الحقير وتبني الفن الغربي الراقي، ده طبعًا بيخلي النهاية واحدة: لازم تختار فريق، أنت مع الطبقة العليا أو الطبقة الكادحة؟ الفريق اللي هتختاره هيحدد -بالنسبة لك- أنهي نوع من الفن هو “الأفضل”.

في الأفلام الأمريكي
الموسيقى الأوبرالية برضه لازالت حصرية للطبقة العليا أو الوسطى المثقفة لكن دور الشخصية بيكون مختلف تمامًا، في الغالب الموسيقى دي للعبقري الشرير اللي بينسج خطة محكمة وينفذها بدم بارد بغض النظر عن مين اللي هيتأذي، زي مثلًا شخصية هانيبال ليكتار اللي بيجسدها أنثوني هوبكينز.

مع ذلك في أستثناء يستحق الذكر وهو فيلم The Shawashank Redemption أو بالعربي الخلاص من شاوشانك، اللي فيه اندي دوفراين (تيم روبينز) بيسمع المساجين مقطوعة Canzonetta sull’aria عشان يفكرهم إن الحياة لسه فيها حاجة جميلة، وحتى الراوي ريد (مورجان فريمان) بيقول إن الموسيقى دي حسستهم كأن أرواحهم حلقت للحظة فوق سور السجن.

اللي سمعته في الأوبرا
لو طول عمرك متعود على الأغاني البوب زي أغاني عمرو دياب مثلًا يبقى هتتصدم من الفرق ما بين النوعين في الموسيقى!
في البوب
النوع ده من الغنا بيكون هدفه توصيل مشاعر الأغنية وبس، عشان كده من حق المغني إنه يهمس، يهمهم أو حتى يغمغم الكلمات لأن صحيح هي مهمة بس الشعور أهم، كمان المغنى بيكون عنده مايك قدام بقه واستوديو في أحدث تقنيات تسمح له يعدل الصوت والطبقة زي ما هو عايز.
صحيح جمال الصوت في الأسلوب ده من الغناء مهم لكن كاريزما وشخصية المغني ما بتقلش في الأهمية إن ما كانتش أحيانًا بتتخطاهم، عشان كده في مغنيين في صنف البوب شخصيتهم المحببة واختياراتهم الذكية للأغاني بتغطي على تقنياتهم الضعيفة.

في الأوبرا
مافيش أى تساهل مع ضعف التقنيات عشان كده مغني الأوبرا بيحتاج سنين وسنين من التدريب المستمر قبل ما ياخد نص فرصة إنه يقف على المسرح قدام الجمهور، ومش كفاية إنه يوصل مشاعر الأغنية، محتاج كمان إنه صوته يوصل فوق صوت الأوركسترا ويملا القاعة بحيث حتى المستمع اللي في أخر صف يقدر يستمتع بالموسيقى، لازم برضه يكون نطقه واضح ومفهوم.

للآسف معظم الاستعراضات الأوبرالية بتكون بالإيطالي أو الفرنساوي أو حتى الألماني عشان كده -لو ما نعرفش غير بس عربي- ما بنقدرش نميز إذا كان نطق المغني واضح ومفهوم ولا لاء، ولأن اللغة مش مفهومة بالنسبة لنا فسهل الواحد يحس بالملل، كأنك بتسمع واحد عمال يتكلم ويتكلم ويتكلم، صحيح بحماس شديد لكن ما حدش عنده فكرة بيقول ايه.
المسارح في برلين توصلت لحل بسيط لكن فعال، شاشة صغيرة بيتعرض عليها الكلمات بالألماني والإنجليزي، بتسمح للمستمعين المهتمين يتابعوا قصة العرض يفهموا ايه اللي بيحصل بالضبط.
بيقولوا ايه بقى؟!
نكتة شائعة عن الأوبرا إنهم شوية ناس بيزعقوا وما حدش فاهم بيزعقوا على ايه! في كمان تصور خاطيء إنه حتى لو فهمنا أكيد هيكون موضوع مالناش علاقة بيه في عصرنا الحالي أو على الأقل هتكون القصة مملة.
في الحقيقة معظم العروض الأوبرالية المشهورة ليها حبكة مشوقة وشخصيات سهل التعاطف معاها، ساعات بيقعوا معضلات أخلاقية تخليك كمان تشاركهم في حيرتهم، زي مثلًا Madame Butterfly للموسيقار Giacomo Puccini.
مشكلة مدام فراشة
العرض اللي من سنة ١٩٠٤م بيعرض قصة بنت يابانية بريئة وممكن تقول ساذجة اسمها تشو-تشو-سان وبيدلعوها بلقب فراشة، بيقابلها بحار أمريكي اسمه بينكرتون بيعجب بجمالها وبراءتها وبيعرض عليها الجواز.
الأوبرا بتبدأ وهو بيتكلم على انفراد ما صديقه القنصل وبيوضح له نيته، إن هو مش واخد الجوازة بجد، هو هيستمتع بجمالها شوية وبعد كده هيرجع بلده تاني، وهناك هيتجوز من واحدة أمريكية، القنصل بيحذره من التلاعب بقلب بنت مسكينة وتدمير مستقبلها لكن في نفس الوقت بيسيب الجوازة تتم.
لما نتعرف على “فراشة” بنكتشف إنها مش بس سعيدة بفرصة الزواج من شاب أمريكي وسيم، هي فعلًا بتحبه وعندها استعداد تتخلى عن دينها وأهلها -اللي بيتبروا منها لما تغير دينها- عشان خاطر ترضيه.
مافيش مفاجأة إن بينكرتون هيتخلى عن فراشة زي ما كان مخطط، لكن الصدمة إنه بيتخلى عنها بعد ما خلفت منه طفل شبهه، وفراشة بترفض تعتبر نفسها مطلقة على الرغم من القوانين اليابانية تسمح لها بكده، وبترفض عرض زواج من راجل غني بيدعي إنه بيحبها لكن معروف عنه زواجه المتكرر، وحتى مع اقتراح القنصل وإصرار خادمتها إنها تكمل حياتها وتنسى بينكرتون لكن فراشة -للآسف- هتفضل مصدقة كدبته إنها هيرجع لها وإنه بيحبها زي ما هي بتحبه.
إخلاصها لجوزها وحبها الصادق بيجبر المشاهد إنه يتعاطف معاها، في نفس الوقت بيسود صراع وحيرة ما بين إنها تواصل إنتظارها لشخص مخادع أو تكمل حياتها بإنها تنتقل من أحضان زوج للتاني كطريقة مشروعة ظاهريًا لكن في الحقيقة هتبقى بتخسر شرفها.
بوتشيني بيمزج في الموسيقى بعبقرية ما بين أسلوب الغرب ونغمات اليابان وده بيسمح له يعبر بشكل صادق عن كل شخصية وبيضيف ليها واقعية أكبر، كمان بيعرف ينقلنا المشاعر المتناقضة ما بين الحب والخيانة، الأمل واليأس.
الأوبرا في بلادنا
أتمنى في يوم من الأيام إن مفهوم الأوبرا بالنسبة لمحبي الموسيقى يتغير، لأنها فعلًا لكل الناس مش لطبقة معينة، وكون الأوبرا في بلادنا تسمح بالدخول والأستمتاع بالفن الجميل ده بغض النظر عن اللبس هيأكد الحقيقة دي.
لو مهتم تجرب نوع مختلف من الموسيقى، نوع بيقدم دراما شيقة ومشاعر حارة وتقنيات مدهشة، اشجعك تحجز تذكرة وتروح المسرح، لأن موسيقى الأوبرا زيها زي المسرحيات بتخسر -للآسف- جزء من بريقها لما تختبرها كنسخة مسجلة، في حاجات في الحياة لازم تدوقها بنفسك عشان تعرف طعمها والأوبرا واحدة منهم.




اترك رد