
رواية Starling House للكاتبة Alix E. Harrow هي تجربة مش بس ممتعة، لكن كمان تقيلة بالرموز والدلالات، وبتقدّم حكاية حزينة ومثيرة حوالين اللي ممكن نسميه “لعنة الحلم الأمريكي”.
الكاتبة عندها أسلوب جذاب ومشوّق، والبطلة “أوبال” من النوع اللي تتعاطف معاه بسهولة. بنت يتيمة، فقيرة، بتحاول تحافظ على نفسها وأخوها الصغير وسط عالم بيسحق الناس اللي شبهها. ومع الوقت بتتشد لعالم غامض حوالين بيت اسمه Starling House، بيت قديم بيخبي أسرار كتير جدًا… أسرار مرتبطة بتاريخ المدينة كلها.
إيدن: مدينة الحلم اللي اتحوّل لكابوس
مدينة “إيدن” هي أكتر من مجرد مكان، دي رمز لأمريكا نفسها. وعد بجنة على الأرض، بتحقيق “الحلم الأمريكي”، بس لما نوصل لـ”إيدن” في الرواية، اللي بنشوفه هو العكس تمامًا: رجال أعمال بيسيطروا على كل حاجة، دمروا البيئة، وبيشتروا النفوذ السياسي، وسكان المدينة إما متواطئين أو في حالة لا مبالاة، باستثناء قلة مرفوضة من المجتمع—اللي مختلفين لونًا، أو أصلاً، أو ميول، أو حتى اللي جم من برّه.
الرواية بتمشي على الخط ده بذكاء شديد، وبتخلي القارئ يحس قد إيه الحلم الأمريكي بقى لعنة لما يتحقق على جثث غيرك.
آرثر: اللي شال المسئولية لوحده
آرثر مش واحد من عيلة “غرافلي” زي ما ممكن القارئ يفتكر في الأول. هو في الحقيقة ابن لناس من الطبقة الكادحة، لجأوا للبيت عشان يحتموا فيه، ولما البيت ندهلهم، وافقوا يدافعوا عنه، والبيت بدوره احتضنهم كأنهم أهله.
رغم كده، آرثر طول الوقت عنده غضب ناحية البيت وناحية المدينة، مش فاهم ليه أمه ضحّت بحياتها عشان تحمي بيت مليان وحوش. ومع الوقت بيبدأ يفهم… إن البيت بالنسبالها ما كانش مجرد مبنى، لكن وطن. المكان الوحيد اللي احتضنهم بجد. وهنا بيبدأ آرثر يشوف نفسه كحد عنده مسئولية تجاه المدينة، حتى لو مش بيحبها، لأنه الشخص الوحيد اللي يقدر يعمل حاجة.
لكن مأساة آرثر الحقيقية إنه شال الشيلة دي لوحده. رغم إن الرواية بتأكد إن “إصلاح الغلط القديم مسئولية جماعية”، بنلاقيه شايف إن عليه هو لوحده يشيل ذنب المدينة كلها. وده تناقض مؤلم، بيعكس قد إيه حتى اللي عنده نوايا طيبة ممكن يتحبس في فكرة البطولة الفردية وسط كارثة جماعية.
أوبال: القلب النابض للرواية
“أوبال” من أكتر البطلات اللي ممكن تتعلّق بيهم بسهولة. مش بس عشان ظروفها الصعبة، لكن كمان عشان عنادها، وكرامتها، وعدم قبولها بالذل حتى في أصعب الظروف. صوتها قوي، وروحها عنيدة، وعلاقتها بأخوها بتدي الرواية دفء خاص، وسط عالم مليان ألم.
ومع تطور العلاقة بينها وبين “آرثر”، بنشوف قصة حب بتتبني بهدوء، وبطريقة مقبولة ومؤثرة. الاتنين عندهم جراح، ومش دايمًا بيتصرفوا صح، بس فيه إنسانية حقيقية في كل لحظة ما بينهم.
إيلينور: الضحية المنسية
من الشخصيات اللي بتوجعك بجد. “إيلينور” من نفس طبقة رجال الأعمال، لكن ده ما حماهاش. اتعرضت للاعتداء والتعذيب، واتسلب منها إرثها، بس لمجرد إنها ست، ما حدش سمعها ولا ساعدها. الرواية بتوضح هنا إن حتى اللي محسوبين على الطبقة الحاكمة مش دايمًا آمنين، وإن السلطة الذكورية بتأذي الكل، مش بس المختلفين والمهمشين.
نهاية مش على قد الوعد
الرواية كانت ماشية في اتجاه بيأكد إن المسئولية جماعية، وإن الحل مش فردي، لكن في الآخر بنلاقي إن “أوبال” هي اللي بتشيل مسئولية رفع اللعنة عن المدينة. رغم إن الرسالة كانت بتقول طول الوقت إن مش مهم أصلك، المهم اختياراتك، بنرجع في الآخر نربط خلاص المدينة بواحدة من نسل “غرافلي”. وده نوع من كسر المنطق الداخلي، وخيانة ضمنية لفكرة المساواة في المسئولية.
كأننا بنأكد تاني إن لعنة الحلم الأمريكي لسه شغالة، وإن حتى لو اتكلمنا عن العدالة، دايمًا في واحد بس المفروض “يصلّح” الباقي.
رموز كتير… ووعي ناقص أحيانًا
الرواية بتستخدم كم كبير من الرموز والأساطير من ثقافات مختلفة، بس أوقات بتحس إن الاستخدام مش دايمًا واعي بالمعاني الأصلية. كأن كل التراث الإنساني بيتعامل ككتالوج مفتوح من غير سياق. وده ممكن يزعج القارئ اللي عنده خلفية ثقافية، لكنه في نفس الوقت ممكن يتفهم كجزء من محاولة لتأكيد إن الشر والخوف مش حكر على ثقافة معينة… وإن كل البشر عندهم حكايات وسحر وأساطير عشان يواجهوا الواقع القاسي.
وفي الآخر…
رغم كل الملاحظات، أنا استمتعت جدًا بـ Starling House. فيها لغة ساحرة، وأجواء مثيرة، وشخصيات صعب تنساها. هاسمعها تاني لو لقيت وقت، خصوصًا بسبب الراوية الموهوبة اللي أدت كل صوت بطريقة تخليك تنسى إن دي ست واحدة بس!
رواية بتقولك إن الحلم مش دايمًا بيكون حلم… وأحيانًا، بيبقى لعنة.
لعنة الحلم الأمريكي.




اترك تعليقاً