
لوحة “عذراء التعزية” للفنان الفرنسي ويليام أدولف بوغيرو فيها تعبير واضح للوعة الفقد وحسرة الفراق، مع ذلك عنوانها مش بيركز على الكآبة والكمد لكن على التعزية. في المقالة دي هناقش جمال اللوحة المميز ونوضح القصة اللي وراها.

الحزن الواضح:
في مركز اللوحة العملاقة أم ثكلى بترمي نفسها على رجلين العذراء مريم أم الإله، وكأن الحزن سلبها من كل قواها لدرجة إن رجليها ما عدتش شايلها ولو ما سندتش نفسها على شخص العذراء هتكون مرمية في الأرض جنب طفلها الصغير اللي الحياة فارقته. بشرتها شاحبه وكأنها بقالها أيام مضربة عن الطعام، الدموع اللي ما بتقفش بقت كأنها حفرت مجرى دائم على خدودها، ولون جفونها بيلمح بالرغم من إنها مغمضة عينيها أن النوم فارقها، وحتى شفايفها في وضع كأنها مش قادرة تاخد نفسها من كتر البكاء والنشيج.
جسد الطفل الصغير العاري ممدد على الأرض على طرف عباءة السيدة العذراء، عشان ما يكونش في لبس بخصوص سبب حزن الست اللي في مركز اللوحة، بينما العذراء مريم رافعه ايديها وعينيها للسما وكأنها بتقدم صلاة صامتة للأم والطفل.

الأسى الخفي:
مجرد تصوير حداد أم على فقدها لابنها كافي إنه يملى المشاهد بمشاعر أسى وحزن وتعاطف شديد، لكن الرسام الفرنسي بوغيرو بيرجع يأكد على تيمة الخسارة والألم بألوان داكنة زي الأسود والنبيتي اللي بيهيمنوا على اللوحة.
تصوير طفل ميت اختيار صعب وصادم لكن ضروي. أولًا: لأن دي الطريقة الوحيدة لسرد أهم اجزاء القصة في لوحة، اللي هي عبارة عن تصوير للحظة واحدة. ثانيًا: ودي الأهم أن الموت بيكون مروع بشكل أقسى من أن الواحد عينيه تقع بشكل مفاجيء على جسد طفل متوفي.
بوغيرو ما قدرش يعكس الخسارة المفجعة دي بس عشان مهاراته التقنية العالية، لكن عشان الكارثة دي لمسته بشكل شخصي. هو وزوجته كانوا بالفعل فقدوا اتنين من أطفالهم قبل رسم اللوحة دي، بنت اسمها جين وولد اسمه جورج. كأن المأساة دي ما كانتش كفاية بوغيرو لاحقًا هيفقد طفل تاني موريس بعد وفاة زوجته نيللي.

سبب التعزية:
مع وجود كل عناصر ألم الفقد في اللوحة، بنلاقي كمان عناصر تعزية ومواساة، أولهم واهمهم هو وجود السيدة العذراء اللي بترفع عينيها للسما وكأنها بتصلي ليهم بالصبر والسلوان، وده اختيار مثالي منه نظرًا لأنها معروف عنها احتمالها بصبر خسارة ابنها الوحيد، اللي اتحكم عليه بالموت صلبًا بالرغم من براءته، وده لإيمانها العظيم بالإله والحياة ما بعد الموت، وكأن الفنان بيفكرنا إنه مش هييأس عشان هو كمان مؤمن بإله رحيم وإن روح طفله في مكان أفضل.
فكرة الإيمان والاعتماد على الدين للوصول لبعض التعزية بيرجع يأكدها بوغيرو تاني في الكلمتين اللي مكتوبين باللاتيني تحت العرش واللي ترجمتهم “أم المتألمين“، وكأنه بيقول لزوجته إن في حد حاسس بألمها وممكن يشاركها بيه.
حتى مكان جسد الطفل اختيار واعي من الفنان لطمأنة زوجته المسكينة. بوجود الطفل عند رداء أم الإله في إشارة إنه ممكن يكون فارق أمه على الأرض لكن ليه أم تانية بالمعنى الروحي في السما، هترعاه وتحافظ عليه.
بنلاحظ كمان الزهور اللي حوالين جسد الطفل ومنقوشين على العرش ومزخرفين الخلفية اللي بيقدموا معنيين في نفس الوقت. المعنى الأول والأوضح هي الزهور اللي بنسيبها على قبور الأحباء كهدية وداع أخيرة. المعنى الثاني وهو الأهم إنه بيفكرنا كل شيء على الأرض مهما كان جميل مصيره في يوم من الأيام هيدبل ويموت زي الزهور، وإن ده جزء مش ممكن الهروب منه في طبيعة الحياة، لكن الدين والإيمان بالآخرة بيقدم لنا طوق نجاة بوعد إن الموت مش هو النهاية، في حياة أفضل مستنيانا.

الفن مش بس حلية نزين بيها اوضنا، هو محاولة للتواصل وتجسيد افكارنا ومعتقداتنا ومشاعرنا. ساعات بيكون مصدر البهجة وساعات الأمل، وفي حالة لوحة زي “عذراء التعزية” للفنان بوغيرو ممكن يكون مصدر للمواساة وواحدة من أسباب لم الجروح.
احب اعرف ايه رأيكم في اللوحة؟ وايه الأفكار أو المشاعر اللي أثارتها فيكم؟ في انتظار مشاركتكم من خلال التعليقات.




اترك تعليقاً