صورة لامرأة تشبه الحورية تحت الماء، ترفع يدها نحو السطح في ضوء خافت.
مع عنوان القصة القصيرة الفانتازية "حرية الماء"

حرية الماء: هي قصة قصيرة فانتازية عن الصداقات التي تنهار تحت ضغط الظروف وروتين الحياة اليومية الذي يصيب بالوحدة… وحلم الحب.

يمكنك دائمًا وبسهولة إغماض جفونك ومنع عيونك عن الرؤية، لكن لا يمكنك ببساطة إغلاق أذنك ومنع ذهنك عن السمع، حتى عندما تغط في النوم، أى ضوضاء عالية كفيلة بإنتزاعك من نومك الثقيل المرهق وطردك من أجمل أحلامك.

أعلم إن هذا الاختلاف ما بين القدرتين ليس خللًا وإنما ميزة لحمايتك في أضعف لحظاتك من أى خطر محدق بك، عندما يغلبك النعاس ويتسلل نحوك عدو مبغض أو تنشغل رؤيتك بمتابعة فريسة محتملة حتى تتناسى إنك أيضًا فريسة لكائن ما أكثر شراسة وجوعًا منك، أو على الأقل هذا ما يؤكده المبصرين لي. إنهم أحيانًا في متابعتهم لماتشهم المفضل أو مسلسلهم المحبوب لا يدركوا اقتراب شخص أخر منهم حتى يجلس بجوارهم على الكنبة ويزعق باسمهم في إحباط أو يلكزهم بأصبع حاد في جانب ذراعهم. الحمدلله إني لا أعاني من هذا النقص، وإن كنت أعاني بأشكال آخرى.

لا يمكنني ارتداء سماعات عازلة للضوضاء أثناء نومي، لأنها تضغط بشكل مؤلم على جوانب أذني، بالإضافة إلى منعى من النوم على جنبي، وإعاقتي أحيانًا عن سماع المنبه. لا يمكنني ارتداء سماعات عازلة للضوضاء أثناء سيري بالشارع لأنها ستعجزني عن توقع الخطر القادم على عجلات مسرعة لا تبالي بمن يعترض طريقها. لا يمكنني ارتداء سماعات عازلة للضوضاء أثناء عملى بتعليم الصغار عزف أبسط الألحان بالرغم مما يعرضني ذلك لساعات وساعات من العزف النشاز وصخب الأطفال.

مع ذلك -بمساعدة والداي- توصلت إلى حيل لخلق واحات من الهدوء المؤقت، كدقائق استمتاعي بحمام طويل اخفض فيه رأسي تحت سطح الماء حتى يختفي العالم عن الوجود، أو السباحة اليومية في حارة خاصة بي وحدى في أولى ساعات النهار، أو أفضلهم على الإطلاق ساعات الجلوس إلى حافة الرصيف البحري واصطياد السمك بصحبة صديق يقدر قيمة الصمت كما يتحين الوقت المناسب للكلام.

هل اعتقدت إني سأشكو عجزي عن الرؤية؟ أيمكنك الشكوى إنك تشعر بالحرمان لأنك لم تتذوق أبدًا السوشي؟! ماذا لو ملأت أذنيك حتى الحافة بالمديح في مذاق السوشي البديع ولذته؟ هل ستشعر بالحرمان حينئذ أو ستنتابك رغبة مفاجأة بلكمي في فمي؟! أنا لا افتقد النور لأني لم أر أبدًا النور.. لا يمكنك افتقاد شيئًا لم تختبره يومًا، ولا اشعر إني ينقصني “شيئًا ما” إلا عندما يصر المبصرين على التأكيد لي بإنه ينقصني “شيئًا ما” سواء بالتشجيع المتكرر للإستمرار في زيارة الأطباء بحثًا عن “علاج” معجزي يعيد لي بصري المفقود، أو تلطيخ ذهني بنبرات تقطر شفقة على شبابي الضائع في الظلام، التحسر المستمر على السوشي الذي لم ولن أذقه في حياتي!

توقفت منذ سنوات عن محاولة ايضاح إني أملك أيضًا الكثير من الأشياء التي قد تنقصهم هم، كقدرتي المميزة على إلتقاط التغيير الطفيف بنبرة محدثي ليكشف لي حقيقة أو كذب ما يقول، أو فضيلة إني لا احكم أبدًا على الأشخاص بناءًا على مظهرهم أوملامح وجههم، لكن عرضي لتفوقي لم يقابل يومًا ما سوى بعدم التصديق أو إثارة المزيد من الشفقة كمحاولة حزينة لتعويض “نقصي”.. حسنًا، يمكنني الآن على الأقل التأكيد أن نقصي هذا قد دفع اثنين من أصدقائي ليدينا لي بحياتهما، ومنحني فرصة مقابلة أفضل مخلوقة على سطح كوكب من تراب وماء.

الاشتراك لمواصلة القراءة

اشترك للوصول إلى الجزء المتبقي من هذه التدوينة ومحتوى آخر للمشتركين فقط.

Author

Trending