صورة تحمل نصًا باللونين الأخضر والذهبي عن الفن، يتضمن عبارة: 'الفن للجميع أم للأثرياء فقط؟'، مع رسم لجسد امرأة ترتدي فستانًا أسود.

ايه أول صورة بتيجي في ذهنك لما تسمع كلمة “الفن”؟ الموناليزا؟ فيلم أبيض وأسود؟ أو يمكن أيقونة أو لوحة مكتوبة بأيد خطاط لآية قرآنية؟ هل الفن لكل الناس ولا لطبقة بعينها؟

لوحة الموناليزا، عمل فني شهير للفنان ليوناردو دا فينشي، يظهر امرأة ذات ابتسامة غامضة في وضعية جلوس.
تمثل شهرة عمل فني معين لفوزه بإعجاب الطبقة العليا.
لوحة “الموناليزا” لليوناردو دافينشي

ايه هو الفن؟

الفن هو تعبير إنساني عن المشاعر والأفكار، بهدف التواصل أو الوصول لمعنى أو قيمة، وشكله بيتغير حسب الثقافة والزمن، ومش بيتبع قواعد ثابتة.

ايه هو الفن الأجمل؟

طبيعي إن يكون ليك ذوق خاص في الفن على حسب قيمك وثقافتك، وممكن تنجذب لعمل يتحداهم، لكن كل ما كان مضاد لثقافتك، بيصعب عليك قبوله أو فهمه، وبالتالي في اتفاق غير معلن عن المعايير الجمالية بحسب الزمن والثقافة.

اللوحة التي تعتبر تحض على الرذيلة في ثقافة ممكن تعتبر تحث على الفضيلة في ثقافة أخرى، زي لوحة “الحقيقة تخرج من البئر” المعروفة أيضًا باسم “الحقيقة العارية“.

لوحة تظهر امرأة عارية تجلس على حافة بئر، تعبر عن مشاعر الدهشة أو الصدمة، محاطة بأشجار ونباتات خضراء في بيئة قديمة.
تمثل تقبل العري في سياق استخدامه كرمز.
لوحة “الحقيقة تخرج من البئر”

لو شايف دولة “أرقى” أو “أفضل” يبقى كمان بالضرورة فنها هيبقى هو الأجمل، مع كل اللي بتعكسه الدولة دي من قيم وثقافة، عشان كده في اتفاق شبه عالمي عن جمال لوحة “الموناليزا” بينما أيقونة قبطية أو لوحة آية قرآنية مزخرفة ممكن تصنف كتعبير عن المهارة الحرفية لصانعها وأداة لخدمة طقس ديني أو تعويذة حماية خرافية لو أنت مش مؤمن بالمعتقد الديني التابعة ليه.

تناحر القوى الناعم

احتلال ثقافي

الحكم القيمي مش صدفة أو قرار عشوائي، ده صراع ناعم على السلطة. الدول مش بتحتل غيرها بالجيش بس، ممكن كمان احتلالها بالثقافة واللغة.

واحدة من مظاهر الاحتلال هي اعتبار فن الفاتح أجمل من فن المحتل، والاسوأ لما يتبنى الشعب المهزوم معتقدات الغازي بتعصب.

كون الفن “الراقي” من إنتاج فنانين أجانب بيخلي فنهم دايمًا أغلى، مش بس عشان أعمالهم بتحتاج تتنقل لبلاد بعيدة بشكل آمن، لكن كمان لإنهم بيعينوا لفنهم ثمن أعلى بالعملة الأجنبية الصعبة. كمان بيزيد الطلب عليه بعد ما اخد ختم الجودة بوصفة فن راقي من ثقافة متحضرة وفنانين مدربين وتحت أيدهم موارد وفرص مميزة.

امرأة ترتدي فستاناً وردياً في لوحة فنية، تجلس على مقعد محاط بأزهار، تعبيرها هادئ ونظرها موجه للأمام.
لوحة مصممة خصيصًا لامرأة من الطبقة العليا.
لوحة “سونيا كنيبس” لجوستاف كليمت

صراع طبقي

عامل تاني لا يقل أهمية وليه ارتباط وثيق بالسيطرة الثقافية هو الصراع الطبقي. طبقة الأثرياء بتميل للفن المشابه للفن الغربي، وإن كانوا أحيانًا -وكنوع من التغيير لكسر الملل- بيجودوا على الفن الشعبي بمجاملات وتقدير لطيف. خصوصًا لو ابتدت الطبقة الكادحة تفقد اهتمامها بيه. ساعتها بتكون فرصة لتذكيرهم بجهلهم وتأنيبهم على تخليهم عن فنهم الجميل، طبعًا مع السكوت التام عن واحدة من أهم أسباب تخليهم عنهم في الأساس، وهو إصرار الطبقة العليا على تصنيفه بصفته مجرد حرفة لا ترقى لنيل لقب فن أو بقايا خرافات جاهلة أو -على مضض- وصفه كفن بدائي بسيط.

بحكم امتلاك الطبقة العليا -على قلة عددهم- لأكثر الموارد، يقدروا يثمنوا فنهم بأعلى سعر، وفي أحيان تانية بيكون الثمن العالي ده مش بس انعكاس لتقديرهم لقيمة فنهم، لكن في حد ذاته شرط صعب بيضمن إن فنهم يفضل حصري ليهم وما يكونش متاح غير للقلة المحظوظة أو المختارة.

مع ذلك الطبقة الكادحة بتقابل استراتيجة الطبقة العليا بتجاهل فنهم، وأحيانًا ازدراءه على طريقة :”وأنا أصلًا ما احبش اشتريه حتى لو كان متاح، ده مافيهوش غير شخبطة مالهاش معنى… مافيهوش غير ناس بتصوت باللاوندي… مافيهوش غير كلام فاضي ما يهمش حد… ما يمثلنيش… وما يهمنيش!”

الطبقة الكادحة بتأييد فنهم بغض النظر عن صيحات الاعتراض من الطبقة العليا وباعدادهم الغفيرة بيقدروا يوصلوا فنانيهم لشهرة ملايين المشاهدات بسهولة وبالتالي برضه للثراء، والفنان محتاج تشجيع ايه تاني اكتر من مجد فوري، إعجاب الملايين وثراء سريع؟!

لوحة فنية تصور مجموعة من الأشخاص في مشهد مبهر لحي شعبي في الأسكندرية.
لوحة تعبر عن خصوصية الفن النابع من الثقافة المصرية.
لوحة “بنات بحري” للفنان محمود سعيد

نزاع قيمي

البشر عندهم قيم مشتركة كتيرة، لكن الاختلافات -وبعد كده الخلافات- بتظهر في التفاصيل، قيمة زي الجمال بتقدرها كل الثقافات لكن لما تيجي على قيمة زي الاحتشام -بحسب مفهوم ثقافي أو ديني معين- ساعتها بتلاقي جدال: “انهي قيمة الأهم؟” بيتحسم في ثواني جوه ذهن المتلقي، من خلال معادلة: اللوحة دي صحيح جميلة لكن بتكسر قيمة الاحتشام اللي أنا مؤمن بيها، الاحتشام والعفة أهم بكتير من الجمال إذن اللوحة دي مرفوضة.

حتى جوه ابناء الثقافة الواحدة والدين الواحد والطبقة الواحدة بتظهر فروق فردية ما بين القيم، عشان كده دايمًا الفنانين بيحتاجوا يتحركوا بحرص لإنهم ممكن يتعرضوا لرقابة السلطة أو غضب الشعب وكلا الوضعين خطير! ولو إن للفنان أسير فنه الوضع الأخطر هو التجاهل التام.

لوحة فنية تظهر امرأة ترتدي فستان أسود طويل، واقفة بجوار طاولة. الشعر مرفوع وأسلوب التصوير يظهر تفاصيل دقيقة في ملامح وجهها.
استقبال اللوحة المبدأي بالرفض لسبب أخلاقي كمثال لتأثير القيم على الفن.
لوحة “مدام إكس” للفنان جون سينجر سارجينت، اللي اتقابلت في البداية بإمتعاض النقاد، تحديدًا بسبب الفستان “الفاضح” اللي هي لابساه

اسطورة الفن الراقي

ما بين الطبقة العليا والطبقة الكادحة ومع تقسيم الفن لراقي وفن شعبي مطالبة بالوقوف في صف فن على حساب التاني، وفي النهاية الصراع بيدور بشكل واضح في بيوت الطبقة الوسطى، اللي أبناءها ممكن يعلقوا صورة مطبوعة للموناليزا ويسمعوا أغاني المهرجانات في احتفالاتهم، بيتفرجوا على المسلسل المصري في التلفزيون آخر النهار، وبيروحوا يشوفوا الفيلم الاكشن الأمريكي في السينما، وبيستمتعوا بكل أنواع الفنون المتاحة ليهم بدون ما يشغلوا بالهم إذا كان ده فن راقي أو شعبي، لأن في الحقيقة الفن بيصنعوه البشر للتواصل مع بعضهم، لنقل خبراتهم وحكمتهم ومشاعرهم… الفن للجميع!

الإعلانات

Author

اترك رد

Trending

اكتشاف المزيد من عن الفن

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading